الهجرات غير الشرعية.. من المسؤول عن العلاج؟_محمد المختار الفال

إعلان أدسنس

آخر المواضيع

breaking/أندرويد/9
أندرويد

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

أغسطس 16, 2017

تكبير النص تصغير النص أعادة للحجم الطبيعي
 لم يحقق الأوروبيون، في قمة الـ20 بهامبورغ، ما كانوا يطمحون إليه من حشد الدعم الدولي لمواجهة تدفق المهاجرين غير الشرعيين من الضفة الأخرى للبحر المتوسط بعد أن أدركوا أن «الجوار الهش» بات يشكل «خطراً» حقيقياً على أمنهم واقتصادهم ونسيجهم الاجتماعي ومكونهم الثقافي.
وعلاقة أوروبا بأفريقيا «قصة» غير سارة، إذ كانت القارة السمراء «منجماً» يستنزف المستعمر خيراته من دون أن يؤسس فيه ما يصلح شأن أهله، حتى إذا هبت «موجة التحرر» بعد الحرب العالمية الثانية رحل تاركاً «إرثاً» ثقيلاً من الجهل والمرض ونقص الكوادر والخبرة وقلة المؤسسات القادرة على إدارة قضايا الاقتصاد والتنمية، مع غياب البنية التحية التي يؤسس عليها الجيل الأفريقي الطامح إلى استثمار خيرات بلاده.

لم تنشغل أوروبا، لعشرات السنين، بما يساعد في «تحضير» الإنسان الأفريقي لمرحلة ما بعد الرحيل واكتفت بما يمكنها من تسيير شؤونه وفق ما يحقق مصالحها، لكنها اكتشفت الآن خطر وخطأ تلك السياسة بعد أن اجتاحت القارة موجة الجفاف في السبعينات من القرن الماضي، وفاقم من آثارها القاسية الهشاشة الإدارية وسوسة الفساد واتساع رقعة الفوضى وعدم الاستقرار، وتصدر المشهد «انتهازية وطنية» لم تر في أوطانها إلا ما يحقق مصالحها.
وفي الطريق إلى أوروبا أصبح المهاجرون غير الشرعيين «مشكلة» حقيقية لدول شمال أفريقيا أضافت أعباء جديدة على اقتصادياتها وتركيبتها السكانية ومكونها الثقافي والاجتماعي، ومن وقت إلى آخر «تحضر» في المعارك السياسية والمناكفات الحزبية، إذ يستغلها البعض لإثبات أن «السلطات الرسمية فشلت في وضع أطر تنظيمية لمواجهة المعطيات الجيوسياسية المتولدة عن النزاعات المسلحة والفقر»، في إشارة إلى أن الهجرة غير الشرعية هي نتاج النزاعات والحروب في أفريقيا بعد أن ابتليت دول الساحل بالجماعات المتطرفة وتجارة المخدرات وشبكات تهريب البشر.
وبغض النظر عن بواعث الاتهامات المتبادلة بين السياسيين، فإن الهجرة غير الشرعية تبقى حقيقة مؤرقة تتأثر بها دول شمال القارة وتمتد آثارها السلبية إلى الجنوب الأوروبي الذي باتت مياهه الإقليمية وشواطئه «مسرحاً» لمأساة إنسانية تتعاظم يوما بعد يوم.
وهذه الأيام ترتفع أصوات الدول الأوروبية محذرة من الخطر، طالبة من المجتمع الدولي تحمل مسؤوليته ومساعدتها في مواجهة «أعباء» وأخطار التدفق البشري من أفريقيا وشرق المتوسط، بكل ما يحمله من اختلاف ثقافي وتهديد أمني وما يصاحبه من حاجات صحية وتعليمية وعمل وإيواء ثم إثبات «هوية» تمنح الهاربين إمكان «الاعتراف»، وتعطيهم «الأمل» بالانخراط في عالمهم الجديد.
وإذا كان السياسيون والأمنيون في العديد من الدول المتأثرة بالهجرات غير الشرعية، يحمّلون العصابات جريمة تهريب المهاجرين، فإن المتفق عليه أن هذه العصابات تستثمر رغبة وحاجة هؤلاء المهاجرين إلى مغادرة أوطانهم واستعدادهم لتعريض حياتهم للمخاطر، حتى الموت.
والسؤال المحوري في هذه القضية المأساة: ما الذي يدفع الرجال والنساء والأطفال إلى الهروب من أوطانهم وفقد أهلهم ومرابع ذكرياتهم وموطن آمالهم وقبور أجدادهم وركوب «وارب الموت» إلى المجهول؟
الإجابة قد تكون لها أوجه متعددة وأسباب مختلفة في بعض تفاصيلها، لكن «القاسم المشترك» بين كل الهاربين المتعرضين للمخاطر هو «الحاجة». لا أحد يتخلى عن ذاته وأهله ووطنه وهو يجد ما يحفظ إنسانيته وكرامته ويؤمن له العمل والعيش الكريم، ومن هنا تصبح كل المعالجات التي تقدم لهؤلاء المهاجرين حلولاً جزئية قد تنقذ حياة البعض وقد تخفف مأساة آخرين، لكنها لا تعالج المشكلة في جذورها.. المشكلة تكمن في انعدام الحيلة، أي أنها قضية «تنموية» بامتياز، وإذا أرادت الدول المتأثرة بهذه الهجرات، بغض النظر عن نوع التأثر (أمني ثقافي اجتماعي اقتصادي)، فعليها أن تدخل إلى لب المشكلة وتخطط لتقديم حلول جذرية تمس جوهر القضية، أي أن تعمل على «تمكين» هؤلاء الهاربين من الأسباب التي تساعدهم في البقاء في أوطانهم، ومساعدتهم في أن يكونوا «منتجين» في بلدانهم وقراهم ومدنهم بدلاً من بقائهم في دائرة «فقدان الأمل» التي تدفع إلى ركوب المخاطر والقذف بأنفسهم إلى المجهول، إذ لا شيء يحرصون عليه.
ومن المؤكد أن القضية معقدة ومركبة، فيها السياسي والثقافي والاقتصادي والأمني، وليس بمقدور دولة واحدة أو إقليم واحد التصدي لمعالجتها منفرداً، فهي قضية تجاوزت إطارها الإقليمي إلى أفقها العالمي، وتحتاج إلى جهود مشتركة وتعاون يتجاوز الدول إلى المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية. وعلى رغم أن الأوروبيين عليهم مسؤولية تاريخية نحو أفريقيا بحكم حقبة الاستعمار وهم من المتضررين الرئيسين، إلا أن الخطر يهدد الجميع، وليس من الحكمة ولا المصلحة أن يتركوا لمواجهة هذا الخطر منفردين، بل يجب أن يسهم الجميع في التصدي لهذا «المشكل» المزمن المتنامي.
وهناك مبادرات تستحق المساندة لأنها تنظر إلى القضية بواقعية شديدة، وبخطوات عملية أدركت «أس» المشكلة وهو: كيف يمكن إيجاد تنمية مستدامة تساعد الدول الأفريقية في تلبية بعض حاجات مواطنيها التنموية والاقتراب من الحاجات الحقيقية والعمل على معالجتها، ومن تلك المبادرات العملية، مبادرة رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية الذي دعا إلى الالتفات إلى القارة الأفريقية والعمل المشترك في سبيل إيجاد مراكز إنتاج وتمكين الشباب والمرأة من العمل، وتنمية المناطق الريفية وفتح الآفاق أمام أهلها للانخراط في سوق العمل مؤهلين مدربين، ما يفتح لهم أبواب الأسواق بصورة مشروعة بدلاً من الاضطرار إلى دخولها من الأبواب الخلفية لعدم قدرتهم على المنافسة.
ولا شك في أن المؤسسات التنموية الدولية والإقليمية يمكنها أن تلعب دوراً رئيساً في الشأن إذا تحركت في ظل توجه ودعم دولي يسعى لمعالة القضية من جذورها، فتلك المؤسسات لديها من الخبرة والكفاءة البشرية ما يمكّنها من تقديم الحلول العملية بعيداً عن «مقايضات» العمل السياسي الذي يضيع الكثير من جهوده في «مساومات» على المواقف والمصالح.
وإذا أرادت أوروبا أن تخطو في اتجاه إيقاف سيل الهجرة غير الشرعية من جنوب البحر المتوسط وأخطارها على نظامها السياسي ووضعها الاقتصادي وتركيبتها السكانية وثقافتها السائدة عليها أن تبادر إلى معالجة أسباب القضية في موطنها، فالذين يصلون إلى الشواطئ الأوروبية أو يموتون في عرض البحر ليسوا إلا «نماذج» لما هو قادم إذا لم ينظر العالم إلى المناطق «الهشة» على هذه الكرة الأرضية، ويعمل على تمكّين أهلها من استغلال ثروات بلدانهم بما يبقيهم عليها.
لم يعد بالإمكان إشعال الحروب ومحاصرة الجياع والمرضى وفاقدي الأمل مع تطور وسائل المواصلات والاتصالات، إذ يشاهد العالم ما يحدث كل دقيقة

إرسال تعليق

مقالات